فتح الله الصائغ الحلبي

8

رحلة فتح الله الصائغ الحلبي

وتحدث الصايغ في مذكراته عن العادات والأعراف البدوية ، وعن القبائل التي اتصل بها ، وذكر أسماء شيوخها وعدد مقاتليها ، وتكلم عن الوهابيين وحروبهم وغزواتهم على عرب الشام ووقائعهم مع الدّريعي بن شعلان ، شيخ عرب الرّولة ، ووصف الدّرعيّة ، كما وصف عددا من البلدان والقرى السورية ، مثل معرّة النّعمان وحماة وحمص والقريتين وصدد ، وأتى على ذكر بعض الأماكن الأثرية ، مثل رستن وتدمر وقصر الحير الغربي . كان فتح اللّه الصايغ شابا لم يتجاوز العقد الثاني من عمرة حينما اتصل به رجل من الإفرنج ، في متوسط العمر ، يدعى تيودور لاسكاريس ، وطلب منه أن يعلمه اللغة العربية . وكان ذلك بمدينة حلب سنة 1809 ، وهي وقتئذ مركز تجاري هام ، ومحط قوافل الهند والأناضول . ومع أن فتح اللّه المذكور كان يميل إلى التجارة ، ويجهل مهنة التعليم ، فإنه قبل هذه المهمة ، لأنه كان صفر اليدين ، على أثر صفقة تجارية خاسرة في جزيرة قبرص ، فرضي بالشروط السخية التي عرضها عليه لاسكاريس ، لا سيما بعد أن عرف أن المذكور من كبار الإفرنج وأشرافهم ، من أسرة بيزنطية عريقة أشتهر منها عدد من الملوك والعلماء . ولكنه على الرغم من كرم أرومته ، كان يلبس الألبسة الشرقية الشعبية الزريّة ، ويأكل في الأسواق . وبعد مضيّ ستة أشهر تعلم خلالها لاسكاريس قليلا من العربية قراءة وكتابة ، عرض على فتح اللّه أن يقوما برحلة في أنحاء البلاد السورية ، سعيا وراء أرباح التجارة ، وأعطاه الأموال لشراء البضائع التي تصلح لأهل البادية ، وشرط عليه أن يطيعه طاعة عمياء ، ولا يخالفه في شيء . فقبل الصايغ هذه الشروط وأخذ يعد أهبته للسفر . غادر لاسكاريس وترجمانه حلب إلى سرمين ، يوم الخميس الواقع في 18 شباط سنة 1810 ، على طريق القوافل ، ثم قصدا معرّة النّعمان ، ومنها إلى خان شيخون ، ثم إلى حماة حيث أمر الحاكم ، سليم العظم ، بسجنهما بتهمة التجسس . ولكن البرطيل انقذهما سريعا من الزنزانة ، فتابعا سفرهما إلى رستن فحمص . وطابت لهما الإقامة في هذه المدينة فبقيا فيها إلى نهاية الشتاء . وكان الصايغ على جهل بغايات معلمه السياسية ، ويتساءل ما هو مصير